قال بروتون: «ما من شيء أصعب هذه الأيام من أن يكون الإنسان شاعر قصيدة نثر»، وقال ماكس جاكوب: «لتكون شاعراً حديثاً يجب أن تكون شاعراً كبيراً». من محمد الماغوط إلى نسرين طرابلسي ثمة من يحلم بنحت قصيدة نثر مختلفة تحمل غضب الحياة المعاصرة، لكن قلة من شعراء قصيدة النثر من عرفوا أبعادها وفهموا أسرارها كما ينبغي لها، فالأغلبية وقفوا عند تخومها، وظنوا أن الخرق والرمز والعدول وكسر الوزن يكفي لإنتاج قصيدة نثر، لكن شعرية النص لا تصنعها إلا شعرية النص، كثيرةٌ هي النصوص التي تنضح بالتمرد والفوضى والسريالية والسخرية لكنها ليست بالضرورة شعراً، إن قصيدة النثر «تثور ضد منطق الأشياء وتخرق المـوضوعات الاجتماعية والشروط الإنسانية، تختار من الأشكال أكثرها فوضوية، وأقلها انضباطاً، فتكف بذلك عن أن تكون أداة توصيل إنساني، أو عقداً اجتماعية لتصير آلة جهنمية يرمي بها الشخص في وجه العالم». مجموعة شعرية بكر للكاتبة والإعلامية نسرين طرابلسي عنونتها بـ»حديث الخرساء» ومهرتها بكلمة نثر بين قوسين، في إشارة منها إلى شيء ما - بالطبع لن يبذل القارئ اللماح كثير من العناء لاكتشاف هذا الشيء - حطت بين يدي مصادفة، ما دفعني إلى قراءتها حتى النفس الأخير إن الشاعرة لوحت من الحرف الأول في مجموعتها برماح التمرد وأعلنت رغبتها العارمة بالتفرد. الكتابة عند نسرين طرابلسي تبدو نوعاً من الحرث في تربة وعرة، فيها كثبان من الحجارة والرمال وأدغال من النرجس والزعتر البري والشمشير، محاولة منها لزرع الكلام في سياقات شعرية رقراقة وقد رسمت من الدفقة الأولى خارطة الطريق لمجموعتها فهي تكتب انتصاراً للغة النابضة وترسم معنى مختلفاً لقارئ مختلف في فضاءات التأويل، وهي جاهزة منذ البداية لممارسة الحب والكتابة في رابعة الشعر وهي أفعال ظلت ذكورية إلى ماض ليس ببعيد، جاء هذا الإعلان في منشورها الأول الذي حمل عنوان «همهمة»: في همس أنيق للمفردات وانتصاراً للغة على ابتذال الصور خروجاً على قيود النص وسعياً وراء معنى لأجل قارئ لماح يحلق حرا في فضاءات التأويل لكبرياء البوح ارتقاء برغبة الذات في وجود مختلف. ويستمر هذا الهياج الشعري ويشتد في المنشور الثاني حيث تنتظر الحب ليتوهج الحرف وكلاهما يشتركان في تشكيل «الشعر الحياة»، فالحب ماء الحياة واللغة تراب الشعر، فلا بد من سكب الأول على الثاني لإنتاح شعرية شفافة وربما هذا ما دفع الشاعرة لعنوانها «نص مشترك»: أنتظرك لأتوهج حرفاً ناضجاً جاهزاً لممارسة الكتابة والحب أنتظرك ليهجم العالم كله معك فلا نجد فراغاً لتنهيدة واحدة. إنّ الانسياب النثري في قصائد طرابلسي يلامس عفوية القول الشعري غير أنها تنجح في شغلها بنسيج شعري قد ينضح بالكثير من التوتر الذي تنتقل عدواه إلى المتلقي بمجرد أن يبدأ القراءة، فهي تفتش عن النار في اليومي من الأحداث والعادي من الأشياء الذي تختبىء خلفه الكوارث، أو نستطيع أن نقول إنها تسعى إلى «اكتشاف للشعر في الجزئي واليومي والعادي وغير المدهش». تحتاجك المدينة.. كتبت الفلة في الرسالة: استوطن الصدأ في الأصيص وفاض الماء عن حاجة الشرفة والجار النكد يشكو منزلكم ينوح ليلاً ويرشح فوق رخامي بقايا الغرباء فالمتأمل لمفرداتها يتبين أنها مفردات يومية ومع ذلك مشحونة بطاقة شعرية تنهل من بساطة التعبير الذي يقترب من الكتابة السينمائية والسرد القصصي الرشيق فهي في النهاية لم تسمح لنفسها أن تخسر كلمة قصيدة، إذاً هي تحاول كسر الشكل الواحد المهيمن والمضمون الأحادي الموقف وإقلاق النموذج الشعري المقدس والشعر كما يقول إليوت إقلاق للوعي السائد. وإذا ما عرفنا أنّ طرابلسي وفدت إلى «قصيدة النثر» من بوابة «القصة القصيرة» - يبدو أنها استوطنت فيها - أدركنا أنّ السرد سمة بارزة في نصوصها، حيث جاء توظيف تقنية السرد والحوار مكملاً شعرياً في نثرها، لكن المرء يحار في معرفة «كيف يكون النص الشعري «كثيفاً» و«سردياً» مرة واحدة، حتى إذا سلمنا بوجود قصيدة نثر» تشبه الحكاية» كما يقول أنسي الحاج، نقلا عن سوزان برنار. لكن الشاعرة لا تسعى إلى توظيف خبراتها القصية في قصائدها بقدر ما تؤسس لحضور درامي له أبطاله وشخوصه: الجار يتذمر: بيتكم مأوى للقادمين أحتدّ: وبيتك مصعد للهبوط فلتغادر جدرانك الملساء بلاط دارنا نهم كالتراب وفيه غراس أقدامنا يرعاها ظل الشمس نحن غبنا ولم نهجر فلا تطمع بصدر الدار واحذر أظافر العتبة يبدو أن جملها الشعرية المتحفزة لنقض الواقع والارتطام به دفعها إلى الارتطام بجدار القصيدة ارتطاماً حاداً يشعل النار في مفرداتها المنتزعة من عالمين لا يلتقيان، عالم الجار المتذمر وربما المتزمت الذي مازال يغلق عليه جدرانه الملساء التي لا تقبل الحياة، صعوده القهقرى وإن خال أنه يصعّد في الحياة، وعالم الشاعرة المفتوح أمام الغراس الجديدة، هذه المقابلة بين «الجدران الميتة والتراب الحي» هي مقابلة في وجهها الآخر بين المسكونين بهوس الماضي الذين يرفضون كل أشكال التجديد بما فيها قصيدة النثر ويصرون على القالب النمطي للقصيدة، وبين الطامحين إلى التغيير وتحطيم الأسيجة الحديدية والوقوف ضد نمطية الحياة والانطلاق نحو آفاق أرحب وعوالم مضيئة، وإنقاذ شجرة الشعر من كل المحرمات «التابوهات» التي تستلب حرية القطاف، إذاً هي حالة صراع وتوتر تلتقطها الشاعرة من لهاث الحياة اليومية، وقصيدة النثر كما يقول محمد جمال باروت في كتابه «الشعر يكتب اسمه» «تطرح تساؤلات الإنسان في المدينة العربية المعاصرة، حيث تلتقط توتر الحياة اليومية وشرائحها وصيرورتها ولحظاتها الإنسانية المستمرة». يبدو جهد الشاعرة في البحث عن النكهة المميزة والمكونة للنص جلياً فهي تعيد ترتيب رؤيتها للفعل الشعري والشعوري بتكثيف يؤكد حضور لغة شعرية مثقلة بالإيحاء: لا تخف سأرتب الأهداب نصف إغماضة وأرش على الرؤيا رزاز بريق كجنية على الغيم تحرس الحكايات وتلمس بعصاها ريش الوسائد لتتابع الأحلام طيرانها الآمن. فجنوح الشاعرة وجموحها إلى إنتاج نثرية شعرية لا يعنيان بالضرورة أنها تطلب قانوناً تنفرد به خارج حدود الانضباط في المجتمع المتراص، ولا تريد فوضى عبثية، بل تسعى إلى إعادة ترتيب الأشياء بحس المرأة التي تعيد ترتيب منزلها وتنظيفه إن رأت فيه حالة من الفوضى، هي تحاول ترتيب النظرة »الأهداب» إلى الواقع وتحقيق التوازن »نصف إغماضة» في العالمين الواقعي والفني لتتابع الأحلام فيهما حياتها الطبيعية. إن قصيدة النثر عند كثير من المنظرين لها وعند الكثير من شعرائها تعني الخروج التام من عباءة التراث، والنبذ التام لهذا التحجر بالاستعلاء عليه وتحطيمه تماماً، إنها تجاوز التجاوز، وهي مسألة فيها نظر، لكن طرابلسي تحسن جعل التراث ولاسيما الديني مكملاً شعرياً في نثرها بطريقة يتطلبها السياق والرؤيا الشعرية بقصد خلق حداثة متميزة: وكما يسبق الخبر المبتدأ »أحياناً« يسبقها الخوف إلى الغار تسدل الشباك وتحتمي باليمامة تهدئ روع العنكبوت وتتفرس في وجه الله الآمن تسبّح: آت آتٍ آااات. فهذا النص استدعاء واجترار لحادثة النبي عليه السلام وصاحبه المطاردين من كفار قريش مع اختلاف الموقفين والشخوص فغار الشاعرة »لا مكاني» يختلف عن الغار »المكاني» الذي لجأ إليه النبي وصاحبه، هذا الاستحضار لصورة الغار إنما هو تعبير عن قلق الإنسان المعاصر وبحثه الدؤوب عن الملاذ الآمن، في إطار من اللازمنية واللامكانية الذي تتسم بهما قصيدة النثر خاصة، فهي «تستحضر أكثف لحظات التجربة الدينية التقليدية، فإذا شرعنا في قراءتها وجدنا تعبيراً لاذعاً عما يتمّ في العصر الحديث من انتهاك للقدسيّة» وثمة نصوص كثيرة في»حديث الخرساء» تشي بارتباط الشاعرة بتراثها، على عكس شعراء التجربة الشعرية الجديدة الذين قطعوا صلاتهم بالتراث، إن استلهام التراث في رأيي ليس فقط ضرورة فنية لكنه تربية للوجدان القومي، فإنني عندما أُلقي الضوء على التراث العربي والإسلامي الذي يشتمل منطقة الشرق الأوسط بكاملها، فإنني أنمي في المتلقي روح الانتماء القومي وروح الإحساس بأنه ينتمي إلى حضارة عريقة، لا تقلّ إن لم تزد على الحضارات اليونانية أو الرومانية»، ومما لاشك فيه أن هذا التوظيف ينتج عنه تعدد للرؤى الشعرية فالنصوص إما أن تصدر عن رؤيا ذاتية أو رؤيا يتداخل فيها الوجدان الفردي بالوجدان الجماعي وتنفتح على آفاق اجتماعية ووطنية وإنسانية، فيها نوع من «التشابك الواقعي والحلمي، وتداخل الأزمنة، وشاعرية اللغة والرؤية، والتباس الأسئلة، وكسر النمطية وتفتيت الشخوص والأحداث». قال محمد الماغوط مرة إنه يكتب في عصر الذعر السابق واللاحق ولكن





























