في انتظارِ تعبِ الريــح!!
كتبهانسرين طرابلسي ، في 27 فبراير 2007 الساعة: 16:38 م
الناس محزونون، متعبون، وغارقون في اليوميّ حيث الماضي يحفل بالانتكاسات والنكبات ووجه المستقبل لا يبشر بالخير. تراهم منقسمين على أبسط أسباب الاتفاق. ولُحمتهم تتفتق لأبسط اختلاف في وجهات النظر. يظهرون ما لا يعلنون، وإن أعلنوا ما في بواطنهم ففجأة وبمباغتة، حين لا يعود بمقدورهم احتمال الحوار، وكأنهم يخرجون في تلك اللحظة البطاقة الحمراء لطرد الآخر من دائرة سلامهم: آهــــا!! قبضنا عليك أيها المختلف.
الغالبية تثرثر في المُثُل العليا، لأنها الرائج والمقبول تحت ضوء النهار. وما أن ينجلي شيء من العتمة حتى يتراجعون إلى الوراء حيث وفرة الظلمة، ليتبجّحوا بتاريخ بلا شهود.
تجارب الحياة أثبتت أن أكثر الناس تظاهراً بالمثالية هم أول الناس نقضا لعهودها، وأن أكثر الناس تطرفاً لمبدأ أو مذهب أكثرهم سرعة وتطرفا في الانتقال إلى نقيضه. لذا أستطيع أن أثق بمن يعمل أكثر ممّن يتكلم فقط بينما تخبر أفعاله عن كذب لسانه. ومن الطريف أن اللسان باستطاعته الذهاب بعيدا والتمرد على كل أنواع السيطرة الإرادية، ومن المؤسف أنه مقنعٌ وأملس وجميل وقادر على التسلل إلى الرأس كأفعى الغواية - لا أقصد اللسان طبعا- بل ما يجيده من أفعال الكلام.
كان الرومان شعبا حسيّاً قضى عمره في المعارك واستقدم أصحاب الحضارة من اليونان وحوّلهم إلى عبيد. استلب حضارتهم الفكرية من نصوص الكتب حتى أسماء الآلهة. فلم يفلح إلا بسرقة الكوميديات، لأن ما كان ينقص الشعب الدموي حقاً هو بعض الترفيه والتسلية والضحك.
وبشكل شديد الارتباط تزدهر الكوميديا اللفظية في الأزمنة المظلمة للشعوب وتنتفي المواقف. واليوم نرى الكلام متوجاً على عرش الإعلام العربي. كلام للتسلية وكلام للغناء وكلام للسياسة وكلام للحرب وكلام للدراما وكلام للإعلان. شفاه تفتح وتغلق بسرعة وتكرار، وألسنة تمتد من الشاشات لتلف أدمغتنا بضمادات سميكة لأفكار جاهزة. لا يفيدها التعدد المهول لأقنية التوجُّهات المختلفة. ففي البرامج السياسية يعجز المتحدثون بصراعهم عن إيجاد لغة للحوار تصل بالمشاهد إلى نقطة تنوير تساعده على الاختيار، وعلى أقنية المنوعات يعجز المشاهد عن اللحاق بالصور المتتابعة والكلمات المفككة ليصل بذائقته إلى لحظة اتفاق على عمل ما. هناك دوما مفترق للانقسام، ولا أقول الاختلاف. انقسامات متنافرة متكاثرة داخل بعضها البعض.
لم يعد لدينا قضية كبرى نلتف حولها. صدقاً لم يعد لدينا قضية. انتحى أهل الثقافة جانب الظل لأن النفخ في "القربة المثقوبة" قطع الأنفاس، وبدا الممسكون بمنتصف العصا أشبه بالمنافقين، وسادت مقولةٌ عظمى تفيد بأن "من ليس معنا فهو حتما ضدّنا".
هذا ليس زمان الاعتدال ولا هو بزمن النضال على جبهة واحدة. ففي عالم ليس ثالثاً في الترتيب وليس أولا في الانجازات، يجد إنساننا نفسه في لهاثٍ مستمر من أجل استيعاب الانفجارات الكونية المتسارعة على كوكبٍ واحدٍ وحيد. لا حياة إلا عليه ومهما طالت الاكتشافات أكواناً أخرى فمرجعنا إليه. سيشحّ ماؤه ويقلّ هواؤه ويضيق بأهله، لكنه يدور.
قد تبدو الدعوة للوقوف في وجه الريح مثاليةً جداً وغير مقنعة، ونحن الذين انتهجنا الانحناء وألفناه بحكم العادة. لذا ومن باب التغيير لنشجّع الريح على هبوبها، فإن لم يتعبنا الانكسار فلربما.. تتعب الريح.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : من شرفة الإنسانية | السمات:من شرفة الإنسانية
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























مارس 1st, 2007 at 1 مارس 2007 1:19 ص
أشكرك على هذه الكلمات الرائعة
على هذا الرأي الصائب …. في انتظار تعب الريح …….
أسعدني مروري بهذه المدونة لسيدة عظيمة
أسمها نسرين طرابلسي
دمتي بخير
ziad
يوليو 29th, 2007 at 29 يوليو 2007 5:49 م
الاخت العزيزة
سعدت بمدونتك
اتمنى ان تشرفى مدونتى