الرجال يفضّلون المقهى
كتبهانسرين طرابلسي ، في 16 مارس 2007 الساعة: 12:49 م
صديقي رسام الكاريكاتور يجد إلهامَه في مقهى الصعايدة..
وعلى أصوات مشجعي مباراة الأهلي والزمالك، وفي أدخنة المعسّل المحروق بين أنفاس غريبٍ وغريب، تتجلى النكات المتطايرة مع كل "ولد" في لعبة كوتشينة، ليرسم كلَّ القضايا بحسِّ فكاهةٍ عالٍ، ويحكي هموم الغربة بلسانِ الوافدين. يختزل ما وراء شجارات أعضاء المجلس ويفضح تقصير المسؤولين في إنجاز المعاملات وينتقد الغلاء الفاحش في المستشفيات الخاصة والتجاوزات في مستشفيات الحكومة ويسخر من بطء سير أعمال الحفريات في الطرقات العامة وينّبه إلى انتشار الظواهر الغريبة بين الشباب وضحالة البرامج في التلفزيونات العربية والتردي الفاضح في مستوى الرياضة..
صديقي الشاعر يفضل البحر ويحجز لنفسه كرسياً دائماً في مقهى يطل على أزرق ممتد. الشاي والسجائر وأوراقٌ رخيصةٌ وقلمُ "بيك" لطقوس الشِّعر. أمام البحر، يسافرُ ويحب ويبكي ويناجي الله ويعاتبُ القدر ويداعب نساءً كثيراتٍ ويعريهن ويتذكر ويتخيل ويجعل من أدق مشاعره محوراً للكون. كل ذلك وهو في ذات المكان، ومنه يكتبُ كلَّ يومٍ قصيدةً مختلفة..
صديقي الكاتب معروفٌ في "ستاربكس" ينزل إليه كل مساء حاملاً "اللاب توب" مسترسلاً في تحرير صفحات عديدة على طاولةِ الرصيف؛ أملاً في احتمالات ممكنة أن تخرج روايةً عصريةً بنكهة الـ Hot chocolate يوظف مشاهداته للشارع المزدحم بالناس والإعلانات والماركات والسيارات والدراجات النارية، مبتكراً أشكالاً جديدة لبطلات قصته، جاعلاً من صخب المدينة شاهداً على الأحداث، قارئاً لكل من يتورّط في الجلوس معه مقطعاً من النص.
صديقي الموظف يتواجد غالباً في ليالي الحلمية، فعدا عن أنها تؤمن له شيشة معتبرة لتعمير الدماغ، فهي ملجأ يقضي فيه ساعات مبررة خارج البيت، ليجد فرصةً للحديث، للعب الورق، لدور طاولة يسترد فيه خسارة الأمس، ليلعن مديره المتغطرس ويشتم زميله الوصولي ويتحزر مع صحبه إن كانت الحسناء على الطاولة المجاورة امرأةً حقاً أم رجلاً ناعماً في زيِّ امرأة!!.
صديقي الرجل يذهب كل ليلةٍ إلى الديوانية، يسجل حضوره في مجتمع الذكور، يثبت تواجده في عالم السيطرة، يخوض في الأوضاع المتأزمة في العراق، وفي حلقة الاتجاه المعاكس في الجزيرة، وفي سجال مطول عن مرشح الدائرة الرابعة، ويتنبأ فشل كلّ المرشحات، ويشرب القهوة العربية ويتبادل مع أصحابه مقاطع البلوتوث المصورة لنانسي وهيفاء وباقي النكات، يتلمظ ويضحك ويتحيّنُ الفرصةَ ليتعرّف على كبيرِ مرتادي الديوانية - طال عمره- ليطلب منه واسطةً أو واسطتين.
صديقتي الزوجة تُعِدُّ لـه العشاء، وترتادُ صالونَ التجميل، تحمل سيرته من بيتٍ إلى بيت، لتشكو غيابَه مع أمها وتحلِّلَ تصرفاتِه مع زميلاتِ الدوام، وتواسي نفسها بسماع شكوى الصديقات. يعودُ من المقهى فتسأله عن تأخيره المعتاد، مستخدمةً حق الزوجة وعاطفة الأمومة وميانة العشرة الطويلة، لينفجر في وجهها ألفُ حاجزٍ يمنعها من تخطي العتبة المحظورة، يتناول الطعام ويأوي إلى النوم منكَّداً مهموماً، ويسارع في اليوم التالي إلى المقهى باحثاً عن الإلهــــــام.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : من شرفة الإنسانية | السمات:من شرفة الإنسانية
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























أبريل 14th, 2007 at 14 أبريل 2007 3:50 ص
و نجيب محفوظ رحمه الله كان يهوى المقهى و اكثر اِبداعاته كانت على المقهى
كل الشعراء و المؤلفين و الصحفيين يهوون المقهى
و ليس كل الرجال حتى لا نتوه فى معنى عنوان المقال
عامة مشكورة جدا على الحكاية الطريفة التى من عادة الصحفيين عامة تحوير
حواشى الموضوع ليزيد شغف و أنتباه القارئ
أبريل 14th, 2007 at 14 أبريل 2007 8:17 م
ممكن ان يفضل الرجل المقهى في حالات عديدة اولا : ان كان لديه زوجة مزعجة واولاد بعدد كبير واخر لم يكن لديه حبيبه او عمل او اهتمام ثقافي سياسي …/ ام الصحفي هو بحاجة للخبر والمكان المفضل لاستقاء الخبر هو المقاهي …كونها تستقطب اعداد كبيرة من الرجال والنساء تختلف اتجاهاتهم وخلفيا تهم الثقافية وغيرها
عموما اهنئك سيدة نسرين مع تقديري واحترامي
فادي
يونيو 4th, 2008 at 4 يونيو 2008 11:46 ص
تملكين احساس راقي وابتسامة انثوية رائعة نسرين وحساسة جدا من خلال اختيارك لسطورك ارغب في صداقتك عيناكي لكي تحاكي عيناي عيناكي
يونيو 29th, 2008 at 29 يونيو 2008 6:32 م
اهلا نسرين
بعد اذنك ” طبعا ” شدني نصك هنا
فاختارته غوايتي ليكون متوجا لها في مدونتي ” غواية الذاكرة ”
لنحفل سوية بالحرف المشتعل
في ديوان الحوار
دمتي في ود
محمد فياض