حــ مناورةٌ ثانية ــب

كتبهانسرين طرابلسي ، في 14 أبريل 2007 الساعة: 03:13 ص

يغتسل الحب من آثامه على ضفاف الذكرى. كلوحةٍ مائيةٍ في إطارٍ أنيق، مذيلةٍ ببطاقة صغيرة،"ليست للبيع".

الحب فنُّ تشكيل الملامح والأرواح. ترصدُ عينُه جمالا لاتراه عين الوعي. عينٌ ليست عمياءَ كما يدّعون، بل مجهرية حساسة، غيبية، استكشافية لما وراء الظاهر من الهيئة والتصرفات.

الحبُّ إبداع، يعيد الواقعُ تحتَ سيطرتِه خلقَ الآخر، يُسبغ عليه الكمال، يرفعه إلى قمة الأولمب، ويبتكر له طقوس تكريم واحتفاء. يكتبُ له أناشيد تبجيل، يرتلها في غيبته لاستحضاره. يُوقدُ له النذور ويفرغ القلب من محتوى ماضيه ليهيأ له محراباً. 

يبدأ الابن بالحنين إلى الطبيعة، إلى جبلته الأولى من صلصال طري من تراب وماء. وتنفخ فيه نسائم السماء إلهامها فلا يعود العالم كما كان. تتحرك المشاهد اليومية ببطء وتنسل الموسيقى خلفها ليسير العاشق على وجنات الأرصفة كراقص يهرول خطوه على إيقاع اللهفة. يشطب كل المواعيد من أجندة النهار ليفردها لموعد واحد يهون عنده المصير.

يسمع زخّ المطر الرتيب وضرباته اللحوح على زجاج النوافذ كوشوشة ملائكة تهمس للغيم أسرارها. وأبواق الازدحام تنتظم كموكب فرح يتبعه ليطوف شوارع المدينة. يختفي الضجيج في أذن الأفق، تروّض مشاعرُه أحصنةَ الريح، تتدافع إوزات الوقت لتعرقل تقدّمَه، فيهشّها برفقٍ ويتجاوزها إلى زمنه الخاص… زمن الحب. 

كل عاشقٍ شاعرٌ بالضرورة، يكون بين الناس ولا يَرَونه. يمنحُه امتلاؤه بالشغف خفةً، وتخفيه غلالةُ الوله. يستلقي على صفحات الشوق ويتدفق بصدقٍ كفيف يكشفُ عنه حجابَ الحقيقة. فلا يعود للحبيب وجه الآدميين ولا خصالهم. يستحضره من المثال واكتمال الصفات. فلا يشبهه أحد ولا مثيل له في الوجوه، يسطع كنجم في سماء ويتدلل شعاعه في كل الاتجاهات. تتغير المفاهيم فتصير القسوةُ دلعاً والإعراض تمنعاً والغياب حضوراً والحضور وهماً. تتسع في قلب المحب آفاقُ الغفران ومساحاتُ التسامح، وتهون النفس العزيزة فتؤجّل احتدادها، لا كبرياءَ في الحب، ولا كرامات. يكفي أن ينال المحبُ الرضى والقبول لتُحقِقَ النفس عِزّتها.

 وحين تصحو المراكب التائهة من سكرتها في حانة الريح، تضم أشرعتها الضالة للعودة إلى مرافئ الحنين، تستعد لوداع الأمواج، وتنكّس أعلام معركة القبول التي لا هزيمة فيها. ففي الحب يعود الطرفان إلى الواقع أحدهما بجروح القلب والآخر بذكرى. ومن يحب لا يكره أبداً. ولا ينسى المرء ضحكة غسلت قلبه من الغبار أو دمعة أوقعته في ضحالةِ الأسف. أو هجراناً  شرّده في صهيل البراري، وذكرى كلّفته نحيبَ الأنهار، وهمساً كهسيسِ الغابات، وشوقاً لوّعه كعويل الصحراء، وغياباً أوجعه كأنين ريح، ووصالاً أحمى من فحيح المدافئ، وسفراً أبكاه في وداع الموج، وانتظاراً ذهب بعقله كسكرةِ مركبٍ ضال، ولقاءً كدلع الشمس بين أحضان السهول مترعاً بنشوةٍ كنزيف الكروم من طعنة خريف، مموهاً بخفرٍ كخجل العناقيد في صدر الدوالي…  

كل نظرةٍ أولى شروعٌ في قصيدة، وكلُّ حكايةِ عشقٍ ديوانُ شعر…     

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : مناورات | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

4 تعليق على “حــ مناورةٌ ثانية ــب”

  1. بحر أنت من الكلمات . كمن ينظر إلى هناك , فلا يقع النظر إلا على خضم فسيح .

    شكراً لك .

    دريد,

  2. كلماتك يا سيدتي ارق من ورق الزنبق واعطر من رائحة الياسمين

    كلما قرأتها اطلب المزيد وكأنها وجبة شهية تقدم لي بعد صيام طويل

    انت مبدعة باختيار الكلمات الجذابة ادعو الله ان يحميك

    ولا جف قلمك

  3. انصحكم بزيارة منتديات هلا جوردن

    http://www.halajo.com

  4. جميله جميله يا نسرين



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر