نظرةٌ واحدة لا تكفي
كتبهانسرين طرابلسي ، في 24 مايو 2007 الساعة: 21:15 م
حين لا أكتفي بنظر واحدة، لا أقصد مطلقاً نظرة العين. فالعين محكومة بالعاطفة والهوى والمزاج. يمكن بنظرة واحدة أن نعجب أو نحب، أو نقع في مطب الانطباع الأول وننزلق في حفرة التسرع، حيث لا مخرج سوى الندم. النظرة الأولى كالحبّ برمته، تغفر ما يتكشف لنا لاحقاً من عيوب وتسامح ما يُرتكب في حقنا من إجحاف، وتَسْتَنْكِرُ دوما أن نرى عكس ما تريدنا أن نراه. متطرفةٌ ثابتةٌ آثمةٌ في حقّنا. وستحكُمُنا وتتحكم بقلوبنا " وعذرنا أنَّ في وجهنا نظر". قوة أسطورية درامية فقط تستطيع أن تمنحَ يدَك القوة لاقتلاع عينك، في الواقع من الأسهل أن تؤذي أي عضو آخر في جسدك، ويكفيك كمٌّ من حبوبِ وجعِ الرأس أو رصاصة واحدة لينتهي كل شيء!!
دعك من النظرة الأولى العاطفية حالياً وأبقها لحناً لأمسيات الجفاف لتعيد لك الإحساس بالمطر.
ولا أتحدث عن النظرة الأولى من منظور أخلاقي أو ديني. تلك التي تكون من حقك وأي نظرة لاحقة بعدها تُحسَبُ عليك! النظرة الغرائزية الفارغة، التي تبدأ في العين وتنتهي في البطن. السطحية الجائعة، التي تتجدد شراهتها بعد أن تهضم الوجبة على طريق الالتهام السريع.
ولا أعني النظرة المادية الثاقبة الخبيرة التي تزن قيمة الأشياء وتعرف الفرق بين الأصلي والمزيف، ما أن تضعه في بؤرة التقييم. فهذه نظرةٌ مدرّبة، تمرّستْ في معرفة مجالِها حتى صارت أداته وميزانه.
أريد أن أصل معك إلى النظرة العقلية والميزان الفكرة، أقصد وجهة النظر الواحدة التي لا تكتمل مطلقاً ولا تؤدي بمفردها إلى حقيقة. أهاجم تلك الواحدةَ الأحاديةَ المتيبسة تحت جدارٍ أصمٍ مصبوبٍ لبنةً قديمةً فوقَ لبنةٍ أقدم. جدار لا يمكنه أن يتحرك إلا بزلزال، وما أن يتزلزل جموده حتى يتهدم. لا عراقةَ في بنيانه ولا فنّ بزخرفه. مطليٌ بتراكماتِ من مرّوا به وأسندوا عليه خطاهم معتبرين أنه خط النهاية، متناسين أن الحياة برمتها ما هي إلا بدايةٌ لحياة، وأن الأفقَ ذاتَه ليس سوى خط وهميٌ يعجز عمّا بعدَه النظر.
يغترُّ الإنسان بقلبه ويستفتيه، ويغمض عيناً لرؤية الأشياء النائية، ولا يسعى أبعد مما تحتمل قدماه. فلو أنه وعى أنه اثنان متناظران وليس واحداً، ولو ترك لقلبه حرية السعي وحرّر عقله من جريرة الأحكام المقننة، وأطلق جناحا قلبه يسرحان به في ملكوت الله سعياً وراء يقينٍ لا يُسقطه شكٌ ولا يحطُّ به فوقَ غصنٍ مهزوز؛ لربما أنقذ هذا الإنسان نفسه من العزلة الاختيارية وتوقف عن التخبط متنقلاً بين الناس بحثاً بلا هوادة عن قرينٍ مفقود.
لا ليست الفكرةُ معقدةً إلى هذا الحد. أن تتصالح مع نفسك وتتقبَّل أن في ذاتك وجهي الحقيقة، وأنك الشرير والطيب، الظالم والمظلوم، الفاعل والمفعول به، الآخذ والعاطي، الجاهل والعالم، فهذا هو أول الانفتاح على الآخر الذي فيك. وكم سيصبح ميسراً بعد ذلك أن تتفهم دوافع الآخرين وتتقبل تصرفاتهم وتحترم اختياراتهم. فلا تتهكم على ما اقترفوه لأنك تدرك احتمالات تعرضك، في أية لحظةٍ، لاقترافه. ولا تسدّ في وجوههم مسالِكَ العودة لأنك تذكر أوقاتاً مماثلة تمنيت فيها مخرجاً.
لذا أدعوك يا أخي الإنسان للتعرُّف عليكَ، فقرينك الذي سيغفر لي يعيش في قلبك الذي ظلمني، وعينُك التي أحبتني تجاور عينَك التي أنكرتني. وعارٌ كبيرٌ أن نعتاش على ساعات النهار ثم نلعنه في عشق الليل. وعارٌ أن نغازلَ لونَ البحر وننسى فضلَ السماء عليه.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : من شرفة الإنسانية | السمات:من شرفة الإنسانية
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























يونيو 4th, 2007 at 4 يونيو 2007 1:27 ص
((دعك من النظرة الأولى العاطفية حالياً وأبقها لحناً لأمسيات الجفاف لتعيد لك الإحساس بالمطر))
سيدتي نسرين ..
لا أدري ماذا أقتبس من هذه القصيدة الطويلة فلا شيء هنا يسمح لي أن أهمله ..
أقول القصيدة .. لأن الجنون الشعري الذي يندفع في لغتك يحرك مع مروره كل الصخور الثابتة في دواخلنا نحن القراء .
تدهشني هذه الفكرة المتوقدة .. تهاجمني فأتساءل كيف فكرت بها نسرين ؟
((لذا أدعوك يا أخي الإنسان للتعرُّف عليكَ، فقرينك الذي سيغفر لي يعيش في قلبك الذي ظلمني، وعينُك التي أحبتني تجاور عينَك التي أنكرتني. وعارٌ كبيرٌ أن نعتاش على ساعات النهار ثم نلعنه في عشق الليل. وعارٌ أن نغازلَ لونَ البحر وننسى فضلَ السماء عليه))
بالضبط يا سيدتي نسرين .. ليتنا نضع أنفسنا مكان الآخرين , حتى نفهمهم ونعذرهم , من منا بلا مثالب ؟ من منا البريء ؟
سأكون دائما قارئاً مخلصاً لأفكارك وظنونك .
مجنون نسرين
يوليو 1st, 2007 at 1 يوليو 2007 3:11 ص
أحييك هنا
العودة مغرية جدا
تقديري
أغسطس 31st, 2007 at 31 أغسطس 2007 7:20 م
اكتشاف الاخر بداخلك لايكون بهذه الطريقه 00بل هى ثقافة المجتمع الذى نحن جزء منه وتحتاج الى تدريب