عصفورةُ الصورة لا تريدُ أن تتحرر
كتبهانسرين طرابلسي ، في 14 يونيو 2007 الساعة: 19:53 م
منذ أن ازدهر الخيال كلعنةٍ أبدية في ذهني، عرفتُ أنني سأبقى فرساً بلا سرجٍ في براريه الواسعة. ومن أضيق حيزٍ مكاني سأنطلق لأخوض رحلاتي ومعاركي الأسطورية. فكوّةٌ صغيرة في جدارٍ أحوّلها عدسةَ "تلسكوب" تفتح عيني على الفضاء. ولحنٌ فائقُ الانسجام يقذفني بين بجعات تشايكوفسكي فأعزف رقصاً طقسيَ الوجودي الأثير. وبدايةُ مقالٍ كهذا ينسج خيالي منها قصيدةً، حتى لأنسى أنني جئت أتحدثُ في موضوع آخر…
أردت أن أقول إن الرحلة بين ألبومات الصور القديمة لطالما خطفتني بعيدا عن عالم معجونٍ بضجيجِ الألوان، وهربت بي إلى عالمٍ أكثرَ اتزاناً، يشحنُ الخيال بالأبيض والأسود، فأبقى أسيرة الماضي وشخوصِه الجامدة في البراويز، وأتمنى أن أتماهى مع زمنهم فلا أعود..
تستوقفني الصور التي تُوْقِفُ اللّحظات؛ فهذه ضحكةٌ لحظةَ إطفاءِ الشموع، ضحكةٌ حائرةٌ بين كثرةِ الأمنيات. وتلك سقطة التَقَطَتْها عدسةُ "الكاميرا" قبل الأرض بسنتيمترٍ واحد. وهذه شهقةُ رعبٍ مفاجئة ويدان سارعتا لتخبئةِ وجهٍ استيقظ للتو…
ودوناً عن كل الاختراعات التي بهرت العقل البشري ثم تحولت إلى كماليات عادية في حياة الانسان؛ تبقى الكاميرا اختراعاً لم يفقد ألقه، ولم يتحوّل رغم تطوّره المستمر إلى أمر اعتيادي. خيال الرسام الفرنسي لوى داجير 1787-1851 هداه وهو في الثلاثين من عمره إلى ابتكار طريقة لعرض اللوحات الفنية مستخدما أسلوبا معينا في الإضاءة، ثم اندفع بحماس ليطور التصوير الفوتوغرافي حالماً بنقل مناظر الطبيعة بصورة آلية لاحتجازها في صورة.
ولا ننسى أن تطوّر آلة التصوير الفوتوغرافي "الكاميرا" من الصندوق العظمي وغرف التحميض المظلمة، مروراً بالتصوير الفوري إلى كاميرات سياحية بحجم قبضة اليد، فكاميرات الديجيتال التي يمكن نقل صورها إلى الكومبيوتر مباشرة وسحبها على الطابعات الليزرية منزليا؛ لم تمنع من أن يصمد التصوير الضوئي كفنٍ تصنعه العينُ الحساسة الراصدة للمشهد، واليد الثابتة، والكاميرا الجيدة.
وكما هي حال كل جديد، شكّل اختراع التصوير خطراً على فن الرسم، وانقسمت حوله الآراء بين متطرفٍ للريشة والقماش والألوان وبين محب للاكتشاف والتجريب وجد فيه تقنيةً فائقة الدقة في نقل الصور والمشاهد. طرفٌ ثالثٌ معتدل اكتفى باستخدام الصورة الفوتوغرافية بديلاً عن "الموديل" الذي كان يجلس لساعات متيبساً أمام الفنان ولأيام متتالية.
في البدء، سار التصوير مع الرسم جنباً إلى جنب، فبدأ المصور يلون الصور المصفرّةَ بما يُعرفُ بعمليةِ "الروتوش" فمنح عيونا خضراء وشعراً أصفر وأنوفاً صغيرةً للوجوه المبحلقة بفلاش قوي، ينفجرُ كبلورةِ مصباحٍ في وجه الزبون. إلى أن أصبح الكومبيوتر ببرامجه المتقدمة يقوم بهذه المهمة، بل تجاوزها إلى لعبة إزالة خطوط العمر وبثور الوجه وعيوبه، لتخرج العارضات وفتيات الإعلان والمذيعات وملكات الجمال كحور العين، لتجعلهن أغلفةً للمجلات وأوراق الصحف، بين يديك.
ورغم أنني أعاني من مشكلة عويصة تجعلني أتجهم وأغمض عيني كلما ومض الفلاش. وأحتاج في استوديو التصوير إلى عشر لقطات لتخرج من بينها لقطة واحدة بابتسامة طبيعية. إلا أنّ أروع الصور الحميمية في ألبوماتي تلك التي التُقِطَت لي في البيت فجأة وبدون ماكياج، أو أعانق ابنتي على شاطئ البحر وروح الإجازة تطلّ بفرح طفولي من عيني. عندها أدخل إلى الصورة وأطلق خيالي داخل حدودها الضيقة، وأتحول إلى عصفورةٍ في قفص الذكريات، لا تريدُ أن تتحرر أبداً.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : من شرفة الإنسانية | السمات:من شرفة الإنسانية
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























يونيو 18th, 2007 at 18 يونيو 2007 9:52 م
نسرين طرابلسي
كلما مرّ اسمك على خاطري، أو قرأت لكِ أو سمعتُ عنك، أتذكر “حليب مر” وأتساءل عن تلك المرأة أما زالت خجلة من دوائر الحليب فوق ملابسها؟
أقرأ هنا عن الصورة، فأجد اللحظة التي أفكر بها: لحظة خلود اللحظة، وأفكر أيضاً بالحظ الوفير لتلك اللحظة بين لحظات عمر الإنسان.
جميل ما قرأت هنا، وسعيدة بمعرفة مدوّنتك.
دمتِ بود وألق
يوليو 5th, 2007 at 5 يوليو 2007 8:13 ص
أسعدك الله وأبعد الحزن
يوليو 15th, 2007 at 15 يوليو 2007 9:23 م
المقالة الممتعة التي تقدم معلومة وتمتاز بأسلوب أدبي رشيق
هي ما كتبت يا نسرين
لك تحية البراوي المداوي
يوليو 20th, 2007 at 20 يوليو 2007 10:26 م
رائعة بوح جميل يدل على احساسك المرهف وفقك الله استمري في عطاءك ودمت بثوب الياسمين
أغسطس 3rd, 2007 at 3 أغسطس 2007 6:53 م
نسرين طرابلسى
ادراج رائع و ان كنتى لست فى حاجة الى كلمتى تلك فانتى انسانة مفعمة بالمشاعر و الاحاسيس
تقبلى احترامى
أغسطس 9th, 2007 at 9 أغسطس 2007 7:41 م
سررت كل السرور التنزه في حديقتك , واعذريني على قطف بعض الورود دون استئذان
أغسطس 11th, 2007 at 11 أغسطس 2007 4:16 م
نسرين دائما متميزة في سردها. فهي في القصة القصيرة صوت سيبقى حيا في نفوس محبي هذا الفن الجميل, ومحبي دمشق على وجه الخصوص. وفي المقال صانعة ماهرة تمزج الخاص بالعام بفنية ملفتة للنظر. قرأت لها نصها الجميل “عصفورة الصورة لا تريد أن تتحرر” فوجدتني راغبا أن أبقى في النص, متمنيا ألا ينتهي, لأن نسرين استطاعت بكلماتها العفوية العذبة وأسلوبها الرشيق أن تخطفني وتطلقني في زمني الأبيض والأسود. وما أروعها عندما تجدل الخاص بحكاية الكمرة واختراعها وتطورها, إلى صمود “التصوير الضوئي كفنٍ تصنعه العينُ الحساسة الراصدة للمشهد، واليد الثابتة، والكاميرا الجيدة.” طبعا هذا يذكرني بالمصور الشهير “براساي”, الذي سماه هنري ميلر, (عين باريس) لقدرته الفنية الفائقة في التصوير. فما كنا نحسبه متعذرا في عالم التصوير الضوئي في ثلاثينيات القرن الماضي, استطاع براساي أن ينتزعه من الواقع دون زيادة أو نقصان, دون روتوش, بل كما هو بعفويته, كما يجب أن نراه. لهذا بدت باريس من خلال عدسته تماما كما يجب أن نراها.
إن ما استطاع أن يلتقطه براساي في كمرته هو نفسه الذي استطاعت أن تلتقطه نسرين ولكن بسردها العفوي الرصين الذي أسرني وجعلني نزيلا في قفص الذكريات, لا أريد أنا الآخر أن أتحرر منه.
صباح الحواصلي
أكتوبر 7th, 2007 at 7 أكتوبر 2007 12:51 م
مشكورة على القطعة
أكتوبر 7th, 2007 at 7 أكتوبر 2007 12:52 م
نرى منك المزيد إن شاء الله….
نسرين ممكن طلب اريد مقالة عن اشهر المخترعين الاجنب ممكن