أنا أقبَلُكَ كما أنتَ، فهل تقبَلُنِي كما أنا؟؟

كتبهانسرين طرابلسي ، في 27 يونيو 2007 الساعة: 05:05 ص

 

لم يكن التسامح يوما فطرة الإنسان رغم أنه من أنبل الرايات التي حملتها الأديان السماوية والثورات الإنسانية. لأنه مفهوم يتطلب وعياً عميقاً بحقيقة الذات، وطبائع البشر. وهو مؤشر حضاري قياساً عليه نكتشف أن عالمنا برمّتِهِ عالمٌ متأخر.

سأختصر لكم معنى التسامح كما حدده المؤتمر العام لليونيسكو في دورته الثامنة والعشرين بتاريخ 26 نوفمبر 1995:

"إن التسامح يعني الوئام في سياق الاختلاف وهو واجب سياسي وقانوني أيضا، يسهم في إحلال ثقافة السلام محل ثقافة الحرب. وهو ممارسة ينبغي أن يأخذ بها الأفراد والجماعات والدول. إنه مسؤولية تشكل عماد حقوق الإنسان. وعليه فالمرء حرٌ في التمسك بمعتقداته وعليه أن يتقبل تمسك الآخرين بمعتقداتهم".

التسامح لا يشبه أبدا المفاهيم التي تسيّر العلاقات بين الناس في أغلب الأحيان. فهو ليس مجاملةً لطيفة تنقضي بانقضاء اللقاء، ولا نفاقاً آنياً تقتضيه مصلحةٌ متبادلة، ولا هزة رأس توهم الآخر بأنك معه بينما يسرح خيالك بعيدا عنه، ولا مسايرة للتيار تنأى بك عن وطيسِ نقاشٍ وتحميك من سهامِ الصراحة المطلقة التي قد تنغرس في صلب درعِ معتقدات الطرفين.

التسامحُ نافذة مفتوحة لكلِّ النسائم، تهبّ باتجاهين. وبابٌ مشرعٌ يحميهِ حارسٌ وحيد، لا يتأبط سوى سلاحٍ واحد هو الاحترام. ولا أعني بالتسامح أبدا مغفرة الأخطاء التي يرتكبها في حقنا الآخرون. ولا أعني به أيضا السكوت عن جراح الكلام لتنزف باستمرار دون أن تكون نتيجتها موت الجسد بل موت الروح. فانتشال نصلِ الأسى من الجرح مؤلمُ أكثر من لحظة الطعن، وبعد حكةِ البراء وزمنِ الاندمال تبقى ندبةٌ أبدية. فهل من رامٍ طائشٍ يفكر بكل ذلك قبل أن يطلق السهم؟

التسامح معنى فضفاض يتطلب بالضرورة طرفين لعلاقة سامية. بل ويتشعب ليشمل كل الأقطاب المحيطة بالمرء. الأمر أشبه بأن تكون مصبّاً يتسع لكل السواقي الصغيرة التي تعبر بك. فيختلط الماء بالماء ويخفف العذبُ ملوحةَ الأجاج. ولإتاحة الفرصة لهذا الانسياب والتمازج لا بد أولا من إزالة كل الحواجز الوهمية العالية التي تقف حائلا بيننا وبين الآخرين. ولا بد من التخفيف من أكداس المتاريس التي نحتمي وراءها خوفا من أولئك الذين لا يشبهوننا، أو يشبهوننا بدرجات متفاوتة.

لا أدعي أبداً أنني وصلت إلى مطلق المفهوم السامي للتسامح. بل قضيت عمري كقنفذ صغير، يتكور نافراً أشواكه في وجوه الغرباء وأسباب الخطر. وأجدني اليوم نادمة على كل مرة لم أتحل فيها بالجرأة الكافية لأمد يدي وأتلمس الجمال الخفي لأشخاص حفلت بهم حياتي بينما كنت منسحبة داخل قوقعتي ورأسي مرتاح… فهل عشت بسلام؟

العمر علّمني أن من كانوا يشكلون لي رعباً كنت بالنسبة لهم كابوساً. وكان يتبدى لهم خوفي رغم كل الأقنعة الباسمة المنشّاة، لتعلو بيننا أسوار شائكة حالت دون عبور مريح إلى الضفة الأخرى. وأثبتت التجربة أن الابتعاد مريح وناجع ويوفر علينا الوقوع في حقول الاختلاف الملغومة، لكن النضح ممزوج بمرارة الندم على ما فات، وللزمن لمسات سحرية تمسح ببياض النسيان كل السيئات وأسمائِها وتحفر بإزميلٍ وجوها فقط على جدران الذاكرة.

ستكون بدايةً جيدةً أن نتقبل الغير بلا اندفاع، لنتجنب التصادم. فنرسم الحدود بالطباشير، ونحاول القفز فوقها كالأطفال. سنجد أن ذلك ممتع وأشبه بلعبةِ مشاركةٍ جماعية. وعندما نتبادل النصيحة فلنغلفها بورق ملون ونتبادلها شاكرين كالحلوى، عوضاً عن أن ندسَّها كحبة دواء مرة وجافّة وابتلاعها عسيرٌ مهما بلغت فوائده.        

ليكن أهمّ بند في أي صكٍ إنساني: أنا أقبلكَ كما أنتَ، فهل تقبلني كما أنا؟

عندها ستطير أسراب من الحمائم بيننا وينبت لنا عند اللقاء ريش مكان الذراعين وتتفتح أبواب السماء… وربما يهدأ غليانُ الأرض.

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : من شرفة الإنسانية | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

3 تعليق على “أنا أقبَلُكَ كما أنتَ، فهل تقبَلُنِي كما أنا؟؟”

  1. رومانسية جميلة ولكن من كوكب آخر

    تحية

  2. شكرا للصدفة لانها اخذتني الى هنا, التسامح ربما هي كلمة بدأت بالاندثار من قاموس حياتنا و ايامنا, ان نقبل الاخر كما هو , و يقبلنا كما نحن, لكن ربما صار الامر صعبا!!! نحتاج الى وقفة مع انفسنا و الاخرين حتى ندركها هذه الكلمة و نستدركها من جديد.

    سررت بمروري هنا..مع تحياتي..مجموعة انسان

  3. تخيلى الغرب وهذا اليونسيكو التى تتحدثين عنه يريدنا ان نكون حمائم ونحن بنقتل ونصلب وننهب ويعبث الغرب بنا وبمقدراتنا ومبادئنا وقيمنا وادياننا –واى صقر يقول لا فهو ارهابى انقلابى غوغائى 000

    لقد انكشف بل انفضح غيهم



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر