كلُّ عام وأنتم بشرٌ طيبون

كتبهانسرين طرابلسي ، في 22 ديسمبر 2007 الساعة: 08:57 ص

يتداول الناس كليشات كلامية كلما حدث ما لا تقوى عقولهم على استيعاب عبثيته ولا تقوى أرواحهم على احتمال قسوته، مثل عبارة " اقترب يومُ القيامة" أو"إنها علاماتُ الساعة". وعند هذا الحد تبدأ النبوءات الدارجة بإخافتي، لا لأن الموت هاجسٌ مرعب، ولا لأنه لم يعد في الزمن متسعٌ لتسويف الأعمال والأمنيات؛ بل لأن ما يحدث حولنا هو قيامة حقيقية تزلزل اليقين وتَهِيجُ بكل أمان يحتاجه الإنسان ليحلم ويبني ويخطط للغد.

لا تخرج نبتةٌ من تربةِ خرابٍ إلا وتحملُ في ساقها نسغَ الحياة وشكلَ الأمل. وليس من قبيل التشاؤم أو اليأس أن نضع أكداس المشاريع المؤجلة ونبحث في أسباب العراقيل. على سبيل التغيير عما دأبنا -بداعي التفاؤل والمكابرة – تضخيمَه والمبالغة في الاحتفاء به من انتصاراتٍ ومنجزات وقتية.

سنحمد الله حتما على الأحياء الذين مازالوا يقاومون حصّادة البشر، وأقصد الحروب المتتالية كالكوابيس، ومن لم يمت بها ولا مات غمّاً، وليس الأمر مجرد تسليمٍ وإن بدا أشبه بالاستسلام. ولنفكر مثلاً بطلاب أبرياء يشيعون زملاءهم ثم يعودون إلى البيت المهدد ليدرسوا منهجاً قديماً ومعقداً تحت وقع القذائف.

ولنفكر بأمهات حوامل ينسجن أردية صوفية ويمسحن على بطونهن المباركة حالماتٍ بساعة الولادة.

ولنفكر برجال متعبين يعملون بدوامين لتأمين قوت العائلة ثم يخرجون إلى الساحات للمشاركة بمظاهرة من أجل قضية.

ولنفكر بأساتذة يقتطعون من حصة التعليم دقائق ليشرحوا للطلاب معنى الوطن وقوة الانتماء وأهمية الاختلاف تحت سقفٍ واحد.

ولنفكر بنساء عاملات يجهدن لسرقة الوقت لتدريب أطفالهن على الإملاء وشراء ثياب العيد وخبز الحلوى للضيوف.

لنفكر أيضا بالمبدعين الذين يستمرون بكتابة الإنسان ويعرفون أنهم لن يشهدوا تكريمهم في الحياة.

ولنفكر بالمواطن العربي الذي ما أن يفرح بموت طاغية حتى يخرج له من صلبه ألف طاغية، المواطن العربي الذي كتب عليه العيش مغيباً عن الحقيقة، مذبذباً بين ما رآه وبين ما حدث فعلاً في الكواليس السرية، ثم يَقدِرُ بعاطفة مثالية أن يخوضَ في نقاشٍ حادّ دفاعاً عن حزبٍ أو نظامِ حكم ويتعنّتَ لوجهة نظر.

في الأيام الأولى من بداية عام جديد لا أجد مفرّاً من عبارات التهنئة، أضع رأسي بين الرؤوس وأقول لكل هؤلاء كلُّ عام وأنتم بشرٌ طيبون، لكم من يومكم نصيب السعيّ ومن نومكم حصة الأحلام وليس لكم على أقداركم نهيٌ ولا أمرُ.. فعيشوا وتابعوا بقوةٍ أكبر وتذكروا دوماً: لا تخرجُ نبتةٌ من تربة خرابٍ إلا وتحملُ في ساقها نسغَ الحياةِ وشكلَ الأمل..

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : من شرفة الإنسانية | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

3 تعليق على “كلُّ عام وأنتم بشرٌ طيبون”

  1. نحية كبيرة للأستاذة القديرة نسرين طرابلسي وشكرا على مدونتك ..

    وكل عام وأنت بخير.

  2. سعيد جداً بزيارتي لهذه المدونة

    وسروري الأكبر وجودكِ معنا هنا صديقتي كاتبة نتعلم منكِ لغة الكلام

    دمتِ بكل خير كاتبتنا العظيمة نسرين

    Ziad

    (¨`·.·´¨) Always

    `·.¸(¨`·.·´¨ ) Keep

    (¨`·.·´¨)¸.·´ Smiling

    `·.¸.·´

  3. لنفكر أيضا بالمبدعين الذين يستمرون بكتابة الإنسان ويعرفون أنهم لن يشهدوا تكريمهم في الحياة.

    يا ضيق اللغة أمامي الآن وسط هذا السطر القصير

    يا نبض الشارع العربي عومي في موجات الأمل و لوني العالم بعطر الزهور

    لكِ حبي

    مريم فضل- الكويت



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر