المؤامرة ليست نظرية متآكلة

كتبهانسرين طرابلسي ، في 31 يناير 2008 الساعة: 17:34 م

ريتشارد الثالث كونية الخصوصية الشكسبيرية:

والمؤامرة ليست نظرية متآكلة:

 

 

قراءة قبل الدخول:

خلافاً للدعوات الموجهة لضيوف مجلة العربي، توافد الجمهور إلى صالة مسرح الميدان لحضور ريتشارد الثالث في الأيام الثلاثة للعرض. العرض الذي سبقه صيته. ولأن عرضا مشاغباً كهذا يستقطب جمهوراً أكثر شغباً؛ اندسست في اليوم الأول في الصف السادس من الصالة وفي اليوم الثاني في الصف الثالث ولم يسنح لي الازدحام غير المسبوق دخول العرض في اليوم الثالث. الانزعاج الذي اعترى بعض الحضور الذي انتظر منذ الخامسة مساء فرصة الحصول على بطاقة كان ظاهرةً صحية تثلج الصدر. وليت الطوابير المصفوفة انتظاراً لعرض مسرحي مجاني تستمر يومياً وعلى مدار العام وببعض الدراسة للظاهرة وأسبابها ونتائجها يمكن أن تعود الكويت مركزاً منيراً للإنتاج المسرحي العربي المتميز كما كانت في فترة خلت لن نتباكى عليها حالياً.

إعداد أم إعادة تأليف:

جهد كبير بذله سليمان البسام لقراءة النص الشكسبيري ريتشارد الثالث. والذي لا يعتبره النقاد من أفضل النصوص الشكسبيرية نظراً لطوله وارتباطه المتسلسل موضوعاً بنص سابق هو هنري الرابع ولاختلاف النقاد حول الشخصية الأساسية ريتشارد التي استمدها شكسبير من التاريخ والتي يقال بأنه شوهها وأساء إليها. ولكن كل هذا لا يهم حقاً، وسيتفاعل أي متفرج مع عرض البسام حتى وإن لم يكن قد سمع بشكسبير من قبل. فالإعداد أبقى على الحبكة وأسماء الشخصيات الإنكليزية مطلقاً العنان لخياله وواقعه العربي ليعيد صياغة النص بلغة امتزجت بها الفصحى باللهجة البدوية. مستفيداً من كونية الشخصيات الشكسبيرية ودقة وصلابة ومرونة بنائها إنسانياً ونفسياً، ليحمّلها ثقل الاسقاط العربي بكل زخمه وتعقيداته. ابتداءً من المفتتح الذي تقدم شيفرته الأولى ملكة العهد البائد مارجريت التي تقول صراحة في مونولوجها "أنا عربية واسمي ليس مارجريت.."، مقدمة طرف الخيط للجمهور الذي أمسكه بقوة ساحباً هذا التفسير بتلقائية حتى نهاية العرض.

اللغة لعبت دوراً كبيراً في إبقاء الجمهور صاحياً ومتنبهاً وفاصلاً بين الأسماء الانكليزية الشخصيات وبنائها العربي، بينما جاءت الأزياء المستمدة من المنطقة العربية (الدشداشة والغطرة والعقال والدراعة والبشت…) حاجزاً أكيداً بين أي خلط يمكن أن يتولد أثناء التفسير وبين المعنى الذي أراد وصوله للجمهور الذي تنوعت جنسياته تنوعاً لافتاً.

لا شك بأن عرضاً كهذا وإن احتاج جرأة كبيرة ليقدم على مسرح شكسبير (swan theatre) في ستراتفورد، فهو احتاج جرأة أكبر تدعو للافتخار ليقدم في الكويت ومنها سيغادر إلى بعض العواصم العربية والغربية الذي ننتظر أصداء مروره بها. 

تقنيات:

لم يوفر البسّام أي تقنية حديثة أو تقليدية للسير بعرضه في الاتجاه الذي أراده. وبين تقنيات ـ احتلت بمجملها مستويات الخشبة ـ كشاشات السينما والتلفزيون والمقتطفات الفيلمية الوثائقية والمنشورات التي تتساقط على الجمهور (وهي من تقنيات المسرح السياسي). وبين خيال الظل والعرض الحيّ التمثيلي، والراقص والموسيقي (الطنبورة والعرضة والسامري). وجد الجمهور نفسه في حالة استنفار الوعي الحسي والشعوري للإحاطة بمفردات العرض ومنظوماته اللغوية. فامتزجت اللغات المغرقة في محليتها المنطوقة والمعزوفة مع اللغة الانكليزية مطبوعة ومنطوقة دون أن تؤثر على أي تفسير شمولي للمعنى المطلوب.  

النص عزف على وتر "المؤامرة" التي أخذت تثير السخرية نظرياً، بينما نجدها في نص العرض صيغة درامية أساسية (وواقعية) لتردي الوضع السياسي الذي يعصف بالمنطقة. ابتداء من المؤامرات المحبوكة في قصور الحكام في صراع مستمر على السلطة واتساع دوائرها لتنتهي بالمؤامرات الدولية في صراع الهيمنة. وما يسبَغ عليها إعلامياً من صفات تمنحها شرعية زائفة. ومن هنا جاءت جرأة العرض الذي لم يتوان عن تسمية الأشياء بمسمياتها أحيانا بالاستعانة بالأيقونات الشكلية واللفظية، كالمناظرة التلفزيونية للعبث بعقول الناس وإيهامهم بأن تنصيب ريتشارد ملكاً جاء بإرادة ومطالبة شعبية، وشعار السفارة التي تلجأ إليها الملكة إليزابيث لتعينها على دحر ريتشارد، وخطابٌ بالانكليزية لممثل القوات الأجنبية ريتشموند (نايجل باريت) الذي وظفت فيه عباراتٌ مترجمة من القرآن الكريم. ناهيك عن دلالات الأزياء واللغات كما أسلفنا الذكر.

التمثيل:

دأب المخرج سليمان البسام على انتهاج خط الاستعانة بممثلين من مختلف الدول العربية منذ عرضه الشهير مؤتمر هاملت. وليس الأمر لقصور ممثلين من دولة واحدة على القيام بالمهمة. وأرى أن الغاية من ذلك لا تنفصل عن غاية العرض الأساسية وهي التوجيه إلى شمولية القضية. التنويع في الممثلين أثر بشكل أو بآخر على تنويع اللعب على اللهجات العربية وإن كانت اللهجة البدوية هي المسيطرة بينما مرر الممثلون عبارات بلهجاتهم المحلية كالسورية واللبنانية والعراقية والكويتية سواء بقصدية أو بعفوية مما أضفى بعداً للمعنى وللكوميديا اللفظية وإن نفع فهو لم يضر.

الممثلون القديرون كفايز قزق وأمل عمران السوريين وجاسم النبهان الكويتي ونقولا دانييل اللبناني ملأوا العرض زخماً أدائياً وبرزت بصماتهم جلية في الانسجام الكلي، بينما جاء أداء المونولوجات الفردية لفايز قزق وأمل عمران كمشاهد أساسية بارزة. كلٌّ من الممثلين قدم شخصيتين على الأقل، كما ورد في البروشور الإعلاني الفاخر الذي وزع على الحضور. جودة التمثيل ساهمت في فهم بعض الإيحاءات التي لم يبذل الماكياج أو الإكسسوارات جهدا كبيراً لتفسيرها. فالأدوار نابعة من حبكة شكسبيرية محكمة، والجمهور انساق بسهولة مع فكرة الأعمار المتقدمة للملكتين مارجريت (أمل عمران) وإليزابيث (كارول عبود) رغم أن الأولى أدت دوراً لولي العهد الصغير أيضاً مستعينةً بالزي وبملامح وجهها الطفولية المعبرة وخبرتها البارزة في التلوين الصوتي، دون حدوثِ لبسٍ أو إرباك في التلقي.

الحكاية بين الأصل والإعداد:

المآسي الشكسبيرية تبدأ قبل بداية العرض. فهنا عهد زال بالمؤامرة، وعهد حالي تتهدده المؤامرة، وأمير يحيك مؤامرة ليصبح ملكاً، ومؤامرة لا توفر شيطاناً للتحالف لتطيح به وتستعيد عرشها. في هذه الدائرة وظف المخرج منذ البداية أسمالاً باليةً ممزقة مطبوعة بأحرف عربية للدلالة على قدم الحكاية واستهلاكها. وفي خضم ما يحاك وراء كواليس السياسة التي تحبكها أيد خفية كمستشار البلاط باكينغهام (ريموند حسني) الذي يلعب دوراً أساسياً في اللعب على كل الحبال وتحريك الشخصيات كالدمى لتحقيق أطماع شخصية، يتوج الموت شخصيات شكسبير في نهاية كل عمل بينما لم يكن هذا الموت هو الوحيد الذي طرحه العمل العربي. فبالإضافة إلى معاناة الشعب العربي موتاً في الأراضي المحتلة والذي ظهر على الشاشة الخلفية، تم استعراض أسماء بعض شهداء الأمة العربية على امتداد تاريخها الإسلامي والحديث. تأكيداً على أن الحكاية المختارة للعرض لم تبدأ هنا ولن تنتهي هنا.

ولا أريد توجيه الإصبع إلى شخصية ديكتاتور بعينه يمكن أن يكون الإسقاط أراد أن نعرفه بالإسم. فالديكتاتور يبدأ طامحا صغيراً تنفخ فيه الأيدي الطويلة جذوة العظمة التي يحمل بذورها في ذاته، ثم تتخلى عنه وتتركه لمصيره المحتوم بمعونة يديها. المشهد الختامي (the master seen) للعمل حين يخوض ريتشارد المعركة مقاضياً المُلْك الذي كلفه تلطيخ يديه بدم القتلى الأبرياء وغير الأبرياء بحصان للهرب أو للاستمرار هو المشهد الأساسي الشكسبيري، وهو المشهد الذي ارتأى سليمان البسام أن يبقيه خاتمة للعرض والمعنى. فلكل طاغية ساعة كما يحكي لنا التاريخ القديم والمعاصر، ومن نفس الكأس الذي يسقونه للشعب يشربُ الطغاة.

اختصار المشاهد الشكسبيرية ليس بالأمر السهل والميسر، وبذكاء استطاع المخرج تكثيف ثلاثة مشاهد بالاستعانة بتقنية الشاشة السينمائية معتمدا على مقولة محلية مضمرة (خذوا فالهم من عيالهم) في مشهد قراءة مارجريت لمستقبل الملكة إليزابيث، حيث كانت تنصت لما يقوله الأمير الصغير على الشاشة: "عمي ريتشارد يقول النباتات الخبيثة تنمو وتتطور..". فتلفظ نبوءتها بمقتل الأميرين الصغيرين. لأنهما بالنسبة لريتشارد النباتات التي ستنمو وتأخذ منه التاج. 

ملتبسات:

كان يجب ألا تفوت المخرج بعض الملاحظات التي تخلق التباساً لدى الجمهور ويمكن أن تتوضح ببساطة، وقد تُفسَّر تعالياً على الجمهور حين تتنوع ثقافاته وشرائحه. منها مثلا المونولوج الأخير لريتشموند قائد القوات الأجنبية الذي لم يترجم للجمهور العربي. وكان يمكن ببساطة تحويل الترجمة إلى العربية على الشاشة اليسرى أو عرض الترجمة على الشاشة السينمائية في عمق الخشبة. فالمسرحية تعرض بدعوة عامة وكان خاطئاً إغفال هذه الملاحظة، مما أضاع الغاية من الدور لمن لم يستوعب المعنى الحرفي للمونولوج الانكليزي الهام لريتشموند والذي كان يبرر فيه تدخل القوات الأجنبية، مستعيناً بثقافة المنطقة بآيات من القرآن الكريم وسيل من الوعود بالحرية والديمقراطية القادمة، مما يفسر الضّحك الساخر للملكة مارجريت التي تمثل مأساة البداية وعرافة الأحداث ومتنبئة المصائب وصابّة اللعنات. كذلك بعض الشيفرات التي لم تفهم مثل الرسائل الانكليزية التي كتبت برمزية الحروف الأولى واستغرقت وقتا من الجمهور ليفهم أنها رسائل تجسس يرسلها مستشار القصر لسفير القوات الأجنبية. الحزام الدال على تشوه ريتشارد نفسياً وجسدياً لم يؤدِّ المطلوب منه ولو تم الاستغناء عنه لما أحدث فرقاً وكانت كافية الصفات التي نعتته بها مارجريت. ولوحة الفراولة الحمراء المغطاة بندف الثلج الأبيض المتساقط والتي قد تعني الأجواء القاسية التي تعصف بالأميرين الغضّين. وكذلك لقب أم أحمد للمرأة التي تلجأ للوزير بحثاً عن ابنها المفقود، فاللقب جاء دخيلاً ومحملاً بشيفرة ملتبسة وإن مرّت على غموضها. والحقيبة بشكل الكلب التي حملتها الأميرة آن (نادين جمعة) حين عودتها إلى القصر أثارت ضحك الجمهور دون فهم المعنى والدلالة. وفي عرض كهذا لا يجب أن تدخل شيفرات اعتباطية مهما بدت صغيرة وبديهية برؤية المخرج، لأنه في تلك اللحظة ينسى أن الجمهور يلتقط ويفسر ويتأثر.

دعوة للعودة:

نعود للإشادة بإجازة هذا العمل للعرض في الكويت. وكان الجمهور يؤكد أنه الحدث الأبرز في احتفالية اليوبيل الذهبي لمجلة العربي والتي غاب عنها الإعلام المرئي غياباً محزناً، حتى أن أحد الإعلاميين الزوار أكد لي أن هذا الكم من الضيوف لو زار بلده لاستطاع أن يغطي به دورة برامجية كاملة ومميزة على شاشة التلفزيون، فعضضت غصتي وهززت رأسي موافقة. فعمل كهذا يؤكد أولاً أن أزمة المسرح ليست أزمة نصوص بل هي أزمة ابتكار ودعم قوي وحرية متاحة للتعبير، وهو ما بدى أن المخرج البسّام استطاع اقتناصه وحصل عليه بوفرة. وكان علينا أن نفتخر بكل أدواتنا بذلك.

مجلة العربي لم تكن يوما مجلة للنخبة رغم نخبوية كتابها ومحرريها. بل كانت متاحة للقراء العرب في كل أصقاع الوطن، فإن بقيت ندوات احتفالية العربي حبيسة جدارن القاعة رغم أهميتها، المحاضرون هم الحضور وهم المعقبون والمعلقون!! فلا بد من الإشارة من جديد وبدون توقف إلى خطورة المسرح وشعبيته، فالمدعو الحاضر أعلم الغائب والمغيّب والأيام الثلاثة للعرض عجزت عن استيعاب جمهور أتى وحضر وأنصت وتابع بعطش وانتظر بصبر حتى لحظة إغلاق الباب مع اعتذارات المخرج المتكررة لجمهرة سيئة الحظ بأن لم يبق محلات في يوم العرض الأخير. 

نسرين طرابلسي

21-1-2008

نشر في جريدة القبس بتاريخ

2-2-2008

 http://www.alqabas.com.kw/Final/NewspaperWebsite/NewspaperPublic/ArticlePage.aspx?ArticleID=356793

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : مقالات نقدية | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

2 تعليق على “المؤامرة ليست نظرية متآكلة”

  1. سيدتي صباحك سكر

    اثلج صدري هذا الموضوع..وهو ايضا شهادة لها جدواها من لدن كاتبة متميزة..لقد تعبنا من التخلف ووصمنا بالدونية والتفكير بمساحة البطون فقط..شكرا لك على هذه التغطية الجميلة التي بلاشك شهادة رفيعة وواقع راقٍ عندما نتزاخم على هكذا اعمال جادة..لك الود..

    محمد السنوسي الغزالي

  2. العزيزة نسرين .. أسعدتني بعدة أشياء , أولا رسالتك عبر الموبيل لتنبيهي إلى نشر حواري معك , ثم رؤيتي للموضوع الذي تم توضيبه بشكل جيد , وأخيرا أسعدني إيميلك الذي فتح لي نافذة ممتعة للتواصل معك والاطلال على بعض إبداعاتك عبر مدونتك المتميزة , وقد قرأت مبدئيا موضوعك في القبس عن مسرحية ريتشارد الثالث , ففوجئت بتمكنك الواضح من تناول هذا العمل بشكل نقدي يتميز بالموضوعية والحب والفرح بكل تطور يرفع من شأن المسرح الكويتي , الذي كانت له إبداعاته الراقية من قبل , سعدت بك كما سعدت برؤياك على المسرح تعملي باخلاص ورغبة قوية في التواصل مع قرائك بشتى الطرق , تمنياتي لك بالنجاح الدائم والإبداع المتميز والطلة الجميلة على محبيكِ , وأعدك بقراءة ما تحويه مدونتك باستمرار , وتعليقي على ما فيها , وإلى لقاء قريب هنا في حديقتك الغناء التي تجمع أبهى زهور الإبداع .



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر