حــ مناورةٌ ثانية ــب

أبريل 14th, 2007 كتبها نسرين طرابلسي نشر في , مناورات

يغتسل الحب من آثامه على ضفاف الذكرى. كلوحةٍ مائيةٍ في إطارٍ أنيق، مذيلةٍ ببطاقة صغيرة،"ليست للبيع".

الحب فنُّ تشكيل الملامح والأرواح. ترصدُ عينُه جمالا لاتراه عين الوعي. عينٌ ليست عمياءَ كما يدّعون، بل مجهرية حساسة، غيبية، استكشافية لما وراء الظاهر من الهيئة والتصرفات.

الحبُّ إبداع، يعيد الواقعُ تحتَ سيطرتِه خلقَ الآخر، يُسبغ عليه الكمال، يرفعه إلى قمة الأولمب، ويبتكر له طقوس تكريم واحتفاء. يكتبُ له أناشيد تبجيل، يرتلها في غيبته لاستحضاره. يُوقدُ له النذور ويفرغ القلب من محتوى ماضيه ليهيأ له محراباً. 

يبدأ الابن بالحنين إلى الطبيعة، إلى جبلته الأولى من صلصال طري من تراب وماء. وتنفخ فيه نسائم السماء إلهامها فلا يعود العالم كما كان. تتحرك المشاهد اليومية ببطء وتنسل الموسيقى خلفها ليسير العاشق على وجنات الأرصفة كراقص يهرول خطوه على إيقاع اللهفة. يشطب كل المواعيد من أجندة النهار ليفردها لموعد واحد يهون عنده المصير.

يسمع زخّ المطر الرتيب وضرباته اللحوح على زجاج النوافذ كوشوشة ملائك

المزيد


صـــــــــــ مناورةٌ ثالثة ــــــــوت

نوفمبر 29th, 2006 كتبها نسرين طرابلسي نشر في , مناورات

صوتٌ يفتح في الجدرانِ نوافذَ البحر، يؤرجِحُ القمرَ في السقفِ فتطفو بخفةٍ تفاحةٌ على وشك السقوط.

صوتٌ يباغت الوحدة، كارتعاشِ صخرةٍ لدعابات جدول، كانفراجِ شفاه زهرة لقبلة ندى، كانصياع الرمال لأمر المطر، وسجدة الطبيعة في صلاة العصافير. 

صوتٌ يمايسُ الموازين، ويُخرج ألفَ شيطانٍ يهذي في جسدٍ ممسوسٍ باللعنات.

صوتٌ مبارك بالقبول، ممسوحٌ برحمة اللهفة، مدوزنٌ على ميقات أي لحظة تُشعل النداء.

صوتٌ له رخامةُ الرعد، وهيبةُ الهمسات الناعسة في قمة الليل، وحدّةُ شمسٍ تزاحم ظل ستارةٍ مديد، وفرحةُ بابٍ موصدٍ على الأحزان ليدٍ تقرع خشبَهُ المقشور وتمسحُ عن أكرته

المزيد


مناورةٌ أولى

نوفمبر 6th, 2006 كتبها نسرين طرابلسي نشر في , مناورات

إذا كان لكل مقام مقال، فماذا يكون مقام المطر؟ وجهُ غيمةٍ، أم كفٌ مديدُ العطاء كبحرٍ، أم منابت الجذور في مسامات التراب؟

وماذا يكون مقام الحب؟ نظرة معلقة في رجفة قلب؟ أم ضحكة موسيقى في صوان السمع؟ أم رسالة مزركشة بشغب العبارات؟

ماذا يكون مقام الغياب؟ لهفة متواترة في انتظار الفقد؟ أم خوف النهايات في ذرى فرح التلاقي؟ أم وسوسات الشك من عنف المسافة؟

وماذا يكون مقام الكلام؟ لغة تتغابى في استعار الحوار؟ أم صمت ينحني في حضرة البداهة؟ أم دمعة حشرجت في ارتباك البيان؟

ماذا يعني كل القلق في محيط الدوائر؟ وكل الألق في مركز الفراغ؟ وكل البشر في اللامرئي؟ وكل الرغبة في اللاملموس؟ وكل الشوق في اللامتناهي؟ وكل الشّعر في اللامكتوب؟

ماذا تعني كلمة أحبك بنبرة قضائية، سوى نطق بحكم لا يقبل التأجيل، غير قابل للطعن أو الاستئناف؟

ماذا يعني أن لا نصل معا في نفس اللحظة إلى رعشة البوح، سوى أن روحينا المتوازيتين تحترقان في مسارات لا تلتقي أبدا؟

ماذا أقول في

المزيد


في فضائل الغياب

نوفمبر 6th, 2006 كتبها نسرين طرابلسي نشر في , مناورات

الغياب مسموح في حدود الصبر، ومبرّرٌ حتى زوال الظرف، ومكررٌ كدورةِ قمرٍ حولَ وجه الأرض، متجددٌ كشمس غروب ترتمي في حضن بحر.

الغياب مسبارُ الشوقِ ومقياسُ شدّة الحب وميزانُ حرارةِ الترقّب وتأخيرٌ قدريٌّ للقاءٍ غير موعود.

الغيابُ ملهم الشعراء، حلاّل عقد الألسن، مبدع الأدعية، مُفْرِغ الأمكنة، مالئ الصمت، ميقاتُ البطء، الماشي على حافة العصب، مخزن الهواجس، مصنع الوساوس، مبتكر الأسباب، خالق الأعذار، مونتير المشاهد السابقة، مصوّر المشاهد المحتملة، كاتب سيناريو ممتاز لكل ما لم يحدث بعد…

الغياب مشعوذ يجعلك تبلل كل ورقة تخطها بأثره لتبتلع ماءها، وتطحن أصابع الندم على ما فات من حضور لم يُستغلّ، وتهرس شفاه الألم عضاّ على ذكرى لاذعة، تلملم آثار الغائب لتملأ حجابَ الجلب في التوّ والحال، تخيطه بجلدك، تحت القلب وفوق جنبك الأيسر، بحيث ينغزك دبوس التثبيت إن تململت شكّاً بسرّه فيكون سهلاً أن يمزّق شغاف قلبك ويثقب الخاصرة قاضياً عليك

المزيد